الشيخ محمد الصادقي الطهراني
84
تاريخ الفكر والحضارة
الحضارات : الحضارة المصرية : المصريون خليط من عناصر متعددة لا يغلب فيها أصل معين ، بعضهم أتى من بلاد النوبة في الجنوب أو من ليبيا في الغرب أو من الفئات السامية في الشرق أو الحامية في الشمال ، تمازجت كل هذه العناصر في وادي النيل فكونت شعبا لا يزال حتى اليوم محافظا على ميزاته . ومع تراكم الرواسب ( الطمى ) التي تجرفها مياه النيل اتسعت المناطق الزراعية تستوعب قادمين جددا ، وأدى التزواج بين العناصر المختلفة إلى تجدد دائم في الدم ، ما زادها حيوية وقدرة على الانتاج ، فأتيح للمصريين أن يشيدوا احدى أقدم الحضارات في العالم . ضرورة الحياة الجماعية فرضت تكون القرى وتمكين الوحدة بين السكان ، وفرضت طبيعة البلاد على سكانها ان ينقسموا إلى مجموعتين هما : مصر العليا ومصر السفلى ، فالعليا هي منطقة ( فيّوم ) والسفلي ( الدلتا ) . قد مرت على السفلى في طور نشأتها نفس المراحل التي عرفتها العليا واختلاف مناخ وجغرافية المصرين أتتج التناقض بينهما وتمكن العداء بين شطري مصر ؛ فإنّ العليا انعزلت في واد ضيق الأفق محدود المدى قريب من الصحراء بعيد عن التأثرات الحضارية ، ولكن السفلى فطبيعتها أغنى والطقس أرحم والتأثيرات الحضارية أقرب منالا والانفتاح على العالم الخارجي أسهم في التقدم والرقي ، فغدا طبيعيا العداء بين العليا والسفلى . ظروف الحياة القاسية هيأت في الجنوب رجالا أشاء قادهم مليكم ( نارمر ) أو ( ميناس ) في حملتين على الشمال وفرض الوحدة بالقوة ؛ إذ ذاك تبدلت النظرة إلى الملك فاكتسب صفة الهية وعرف باسمه الجديد ( الفرعون ) أو ( الصرح الكبير ) .